يكتب جوناثان كوك أن الولايات المتحدة وإسرائيل أدّتا لعقود دورَي “الشرطي الجيد” و“الشرطي السيئ” في الشرق الأوسط، في مسرحية سياسية متقنة هدفت إلى إقناع الرأي العام الغربي بأن الطرفين يحميان القانون الدولي ويواجهان “مجرمين”. يرى الكاتب أن هذه الخدعة بدأت تتفكك بوضوح، خصوصاً بعد المشاركة الأميركية المباشرة في حرب غزة، ثم الانتقال العنيف إلى فنزويلا، حيث انكشف جوهر القوة الأميركية بوصفه مشروع هيمنة استعمارية لا علاقة له بالعدالة أو إنفاذ القانون.

 

يقدم ميدل إيست آي هذا التحليل في سياق ربط ما جرى في غزة بالتصعيد الأميركي في فنزويلا، باعتبارهما جزءاً من مسار واحد يفضح طبيعة الدور الأميركي–الإسرائيلي عالمياً.

 

من غزة مُهِّد الطريق إلى كاراكاس

 

يرى كوك أن الطريق إلى كاراكاس شُقّ في غزة. فحين شاركت واشنطن في حرب إسرائيل التي استمرت أكثر من عامين ضد سكان القطاع، حافظت على رواية “الوسيط النزيه” رغم الأدلة المتراكمة على تورطها الكامل. ومع تراجع الاهتمام الإعلامي الغربي بغزة، أعلن “الشرطي الجيد” نهاية المعركة، فاختفت الجرائم من الصفحات الأولى، رغم استمرار القتل والتجويع بوتيرة أبطأ.

 

يشرح الكاتب أن الرواية نفسها أعاد ترامب استخدامها في فنزويلا، حين قدّم اختطاف الرئيس نيكولاس مادورو على أنه إجراء قانوني مرتبط بمكافحة “الإرهاب المرتبط بالمخدرات”، بينما اعترف في الوقت نفسه بأن الهجوم الأميركي يستهدف السيطرة على النفط. يرى كوك أن الادعاء بإنفاذ القانون ليس سوى قناع لعدوان صريح، تماماً كما جرى تبرير حرب غزة بذريعة محاربة “عدم شرعية” حماس.

 

يشير المقال إلى أن إسرائيل خرقت وقف إطلاق النار في غزة مئات المرات، ومنعت عشرات المنظمات الإنسانية من العمل، بينها “أطباء بلا حدود”، ما قطع شريان الحياة عن مئات الآلاف. ومع ذلك، واصل القادة الغربيون والإعلام الدفاع عن رواية “التهدئة”، في مسرح سياسي طويل الأمد.

 

قمع الداخل الغربي وتآكل الحريات

 

ينتقل كوك إلى الداخل الغربي، حيث يرى أن قطاعات واسعة من الرأي العام بدأت تستفيق من هذا “الحلم المرعب”. ورغم تراجع حجم التظاهرات الداعمة لفلسطين، يؤكد أن السبب لا يعود إلى زوال الغضب، بل إلى حملة إنهاك وتشويه شنتها الحكومات ووسائل الإعلام. جرى خلط معارضة نظام الفصل العنصري الإسرائيلي بمعاداة السامية، ثم جرى لاحقاً خلط معارضة الإبادة في غزة بالإرهاب.

 

يعرض الكاتب مثال بريطانيا بوصفه نموذجاً صارخاً، حيث وسمت السلطات التظاهرات المناهضة للإبادة بـ“مسيرات الكراهية”، واعتقلت صحفيين وناشطين، وداهمت منازلهم. صنّفت الحكومة دعم التحركات العملية ضد مصانع السلاح إرهاباً، وضيّقت على العمل الإنساني والتضامني. كما جمّدت حسابات بنكية لمجموعات تضامن فلسطيني، ما عرقل جمع التبرعات لإغاثة غزة.

 

يرى كوك أن أخطر تطور يتمثل في تقويض الحق في المحاكمة أمام هيئة محلفين، بعد إعلان الحكومة البريطانية نيتها تقليص هذا الحق بذريعة تكدّس القضايا، في خطوة تهدد أحد أعمدة العدالة التاريخية.

 

استهداف القانون الدولي وتحويل المنتقدين إلى “لا أشخاص”

 

يوسّع المقال الدائرة إلى المستوى الدولي، حيث يرى أن الولايات المتحدة وإسرائيل لا تكتفيان بقمع الداخل، بل تسعيان إلى تحطيم مؤسسات القانون الدولي نفسها. يشير كوك إلى فرض واشنطن عقوبات على المقررة الخاصة للأمم المتحدة فرانشيسكا ألبانيزي بعد تقاريرها عن الإبادة في غزة، ما حوّلها فعلياً إلى “لا شخص”: لا حسابات مصرفية، لا قدرة على السفر، ولا تعاملات مالية.

 

يمتد هذا النهج إلى المحكمة الجنائية الدولية، حيث فرضت واشنطن عقوبات على قضاة ومدّعين بسبب مذكرات توقيف بحق مسؤولين إسرائيليين. يرى الكاتب أن الرسالة واضحة: من يجرؤ على محاسبة القوة الأميركية أو حلفائها سيدفع ثمناً شخصياً ومهنياً باهظاً.

 

يؤكد كوك أن هذا السلوك يوجّه أيضاً إنذاراً إلى محكمة العدل الدولية، التي اعتبرت أن هناك أساساً معقولاً للقول إن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية في غزة. يشبّه الكاتب هذه السياسة بسلوك العصابات: ترهيب القضاة والمؤسسات لمنع أي حكم يدين الأقوياء.

 

انكشاف القناع وسقوط رواية “الشرطي الجيد”

 

يخلص المقال إلى أن تدمير منظومة القانون الدولي يعرّض الجميع للخطر، خصوصاً في عصر تملك فيه الدول أدوات مراقبة وسيطرة غير مسبوقة. ومع ذلك، يواصل الغرب تقديم هذا الانهيار بوصفه “إنفاذاً للقانون”.

 

يرى كوك أن أوروبا، عبر صمتها أو دعمها الضمني، تشارك في هذا المسار، فيما ترحّب بعض الحكومات علناً بالعدوان الأميركي على فنزويلا. يحذّر من أن دولاً أخرى، مثل كولومبيا وكوبا وغرينلاند وكندا، قد تواجه الذريعة نفسها مستقبلاً.

 

يختتم الكاتب بأن ترامب، بعد أن مزّق القانون الدولي، لم يعد بحاجة إلى قناع “الشرطي الجيد”. انكشف الدور بالكامل: قوة تمارس العنف الاستعماري، وتفرض منطق “القوة تصنع الحق”، وتظهر اليوم على حقيقتها كـ“شرير متسلسل” على المسرح العالمي.



https://www.middleeasteye.net/opinion/gaza-venezuela-us-has-been-unmasked-serial-villain-2